النويري
231
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأشتاتا ، اختار اللَّه لنبيّه ما عنده ، فلمّا قبض اللَّه نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم نصب « 1 » الشيطان رواقه ، ومدّ طنبه ، ونصب حبائله ، وأجلب بخيله ورجله ، واضطرب حبل الإسلام ، ومرج عهده ، وماج أهله ، وبغى الغوائل ، وظنّت رجال أن قد أكثب « 2 » نهزها ، ولات حين الذي يرجون ، وأنّى والصّدّيق بين أظهرهم ؟ فقام حاسرا مشمّرا ، فجمع حاشيتيه ، ورفع قطريه ، فردّ رسن الإسلام على غربه ، ولم شعثه بطبّه ، وأقام أوده بثقافه ، فابذعرّ النفاق بوطئه ، وانتاش الدّين فنعشه ، فلمّا أراح الحقّ على أهله ، وقرّر الرؤس على كواهلها ، وحقن الدماء في أهبها ، أتته منيّته ، فسدّ ثلمته بنظيره في الرحمة ، وشقيقه في السّيرة والمعدلة ، ذاك ابن الخطَّاب ، للَّه درّ أمّ حفلت « 3 » له ، ودرّت عليه ! لقد أوحدت به ، ففنّخ الكفرة وديّخها ، وشرّد الشّرك شذر مذر ، وبعج الأرض وبخعها ، فقاءت أكلها ، ولفظت جنينها « 4 » ، ترأمه ويصدف عنها ، وتصدّى له ويأباها ، ثم وزّع فيها فيئها ، وودّعها كما صحبها ؛ فأروني ما ترتابون ؟ وأىّ يومى أبى تنقمون ؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم ، أم يوم ظعنه وقد نظر لكم ؟ أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم . ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت : أنشدكم اللَّه ، هل أنكرتم مما قلت شيئا ؟ قالوا : اللهمّ لا .
--> « 1 » في صبح الأعشى ج 1 ص 248 : « ضرب » ؛ والمعنى يستقيم على كلتا الروايتين . « 2 » كذا في الأصل ؛ والذي في اللسان مادة « كثب » « أكثبت أطماعهم » ؛ وفى صبح الأعشى ج 1 ص 248 : « أكثبت أطماعهم نهزها » ، والمعنى يستقيم على كل من هذه الروايات الثلاث . « 3 » في الأصل : « حملت به » ؛ وهو تحريف صوابه ما أثبتنا كما سيأتي في شرحه لهذه الكلمة . « 4 » في صبح الأعشى ج 1 ص 248 : « خبأها » ؛ والمعنى يستقم على كلتا الروايتين .